السيد لطيف القزويني

12

رجال تركوا بصمات على قسمات التاريخ

نحن وأنتم ( 1 ) . وبهذا الحزم من عميد الهاشميين أبي طالب ، قبرت فكرة قتل النبي ( ص ) في أذهان زعماء قريش ، ففكرت في سلوك طرق أخرى لإيذاء النبي وإجهاض دعوته ، دون إراقة دماء . ومن المهازل حقا التي تثير القرف في النفس البشرية أن بعض القوى التي سيطرت على مقاليد الدولة الإسلامية فيما بعد : صورت أبا طالب بصورة المشرك ، ووضعته في ضحضاح من النار - على حد تعبير الراوي الوحيد لهذا الخبر ، وهو راو مشهور بكراهيته لبني هاشم - ، وزورت وأنكرت كفاحه المجيد ، وأنكرت جهاده وجهاد أولاده وأحفاده وفضلهم ، وفرضت مسبتهم ولعنهم على المنابر ، ولم تقبل شهادة من يواليهم ، فعادت وليهم ووالت عدوهم . . . الخ ( 2 ) . بعد فشل الحصار والمقاطعة لم تتوقف قريش عن ملاحقة النبي ومراقبة تحركاته ، عندها قررت أن محمدا ( ص ) قد تجاوز الخط المألوف ، وأنه قد بدأ مرحلة خطيرة ، فإذا نجح بالهجرة إلى يثرب فسيستقطب حوله الأكثرية من أهلها ، ومن حولها من قبائل العرب ، عندئذ ستصبح النبوة الهاشمية حقيقة واقعة ، ويذهب الهاشميون بفخر النبوة بين العرب دون سائر البطون ، وعلى ضوء هذا التنظير عقدت زعامة بطون قريش الثلاثة والعشرين اجتماعا موسعا في دار الندوة واتفق المجتمعون على أن قتل محمد هو الحل ، وقرروا اختيار عدد من فتية بطون قريش يمثل كل فتى منهم عشيرته ، ليشتركوا جميعا بقتله ولتكوين جبهة متراصة ضد الهاشميين ، لكن الله دفع مكرهم ورد كيدهم ، بعد أن استخلف ابن عمه علي بن أبي طالب ( ع ) في فراشه ، فقد أشار الله تعالى بقوله : ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) ( 3 ) . الهاشميون بعد الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة . طوال الفترة التي قضاها النبي في مكة المكرمة بعد النبوة وقبل الهجرة إلى المدينة المنورة ، والهاشميون بحالة تعبئة عامة من الدرجة القصوى وبحالة مواجهة دائمة مع بطون قريش . . . وقد كان واضحا أنه ليس من الحكمة تفريغ مكة من الهاشميين ، والأجدى والأنفع أن يبقى

--> 1 - راجع الطبقات لابن سعد ج 1 ، ص 186 ، ونهاية الطلب لإبراهيم بن محمد علي الدينوري . 2 - راجع الكامل لابن الأثير ج 3 ، ص 24 ، آخر سيرة عمر من حوادث سنة 23 ، وتاريخ الطبري ج 2 ، ص 289 وج 4 ، ص 123 ، ومروج الذهب للمسعودي ج 2 ، ص 353 - 354 . 3 - راجع سيرة ابن هشام ج 2 ، ص 125 ، وسورة الأنفال : الآية 30 .